ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
108
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
والآيات الواردة من هذا الضرب كثيرة ، كقوله تعالى : فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف فقوله فله ما سلف من جوامع الكلم ، ومعناه أن خطاياه الماضية قد غفرت له وتاب اللّه عليه فيها ، إلا أن قوله فله ما سلف أبلغ : أي أن السالف من ذنوبه لا يكون عليه إنما هو له ، وكذلك ورد قوله تعالى من كفر فعليه كفره * فعليه كفره كلمة جامعة تغني عن ذكر ضروب من العذاب ؛ لأن من أحاط به كفره فقد أحاطت به كل خطيئة . وعلى نحو من هذا جاء قوله تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فهذه الآية من جوامع الآيات الواردة في القرآن الكريم ؛ وروي أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قرأها على الوليد بن المغيرة فقال له : يا ابن أخي ، أعد ، فأعاد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قراءتها عليه ، فقال له : إنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وما هو بقول البشر . ومن هذا النحو قوله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد . إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد . ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد . وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد . ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد . وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد . لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد وهذه الآيات من قوارع القرآن العجيبة التي دلّت على تخويف وإرهاب ترقّ القلوب ، وتقشعرّ منه الجلود ، وهي مشتملة مع قصرها على حال الإنسان منذ خلقه إلى حين حشره وحشر غيره من الناس ، وتصوير ذلك الأمر الفظيع في أسهل لفظ وأقربه ، وما مررت عليها إلا جدّت لي موعظة وأحدثت عندي إيقاظا . ومن هذا الضرب ما ورد عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في دعائه لأبي سلمة عند موته فقال : « اللّهمّ ارفع درجته في المهتدين ، واخلفه في عقبه في الغابرين لنا وله يا ربّ العالمين » وهذا دعاء جامع بين الإيجاز وبين مناسبة الحال التي وقع فيها ؛ فأوله مفتتح بالمهمّ الذي يفتقر إليه المدعوّ له في تلك الحال ، وهو رفع درجته في